تدين منظمة «صحفيات بلا قيود» بأشد العبارات استمرار قوات الدعم السريع في احتجاز صحفيات «راديو نيالا» إشراقة عبد الرحمن، وزهراء محمد الحسن، ومواهب إبراهيم، منذ اختطافهن في 28 فبراير/شباط، وسط تقارير مقلقة عن تدهور خطير في أوضاعهن الصحية وحرمانهن من الرعاية الطبية.
كانت قوات الدعم السريع قد احتجزت الصحفيات الثلاث في مدينة نيالا، عاصمة ولاية جنوب دارفور، إلى جانب عدد من النساء، عقب مشاركتهن في ورشة مخصصة للصحفيات، ونقلتهن إلى سجن «كوريا». في 7 مارس/آذار قالت الأسر إنهن نُقلن من سجن كوريا إلى جهة مجهولة وانقطع الاتصال بهن. واستمر احتجازهن من دون توجيه تهم رسمية أو تقديم أسباب قانونية واضحة أو عرضهن على جهة قضائية.
وبحسب المعلومات التي نقلتها نقابة الصحفيين السودانيين، فقد أبلغت نساء أُفرج عنهن مؤخرًا من أحد مراكز الاحتجاز أسر الصحفيات الثلاث بأنهن فقدن قدرًا كبيرًا من أوزانهن، ويعانين الحمى ومضاعفات صحية أخرى لم تُعالج بسبب انعدام الرعاية الطبية.
وقالت السيدة توكل كرمان رئيسة صحفيات بلاقيود والحائزة على جائزة نوبل للسلام إن استمرار احتجاز الصحفيات إشراقة عبدالرحمن، وزهراء محمد الحسن، ومواهب إبراهيم، في مكان غير معلن، ومنعهن من التواصل الآمن والمنتظم مع أسرهن ومحاميهن، وحرمانهن من العلاج في ظل تدهور صحتهن، لا يمثل انتهاكًا لحرية الصحافة فحسب، بل يشكل تهديدًا مباشرًا لحقهن في الحياة والسلامة الجسدية والنفسية.
وأضافت: تضع قضية الصحفيات الثلاث قوات الدعم السريع أمام مسؤولية مباشرة لا تقبل المواربة عن حياة الصحفيات وسلامتهن، وتجعل أي تأخير في إطلاق سراحهن أو عدم تمكينهن من العلاج تهديداً متعمداً لحقهن في الحياة والسلامة الجسدية.
وتؤكد منظمة صحفيات أن احتجاز الصحفيات بسبب عملهن الإعلامي، أو بقصد منعهن من نقل الحقائق المتعلقة بالحرب، يحول الاختطاف إلى أداة لإسكات الشهود وإخفاء الانتهاكات. كما أن حرمان محتجزات مريضات من الرعاية الطبية قد يشكل معاملة قاسية ولاإنسانية، ويستوجب تحقيقًا مستقلًا يحدد المسؤولين المباشرين والقيادات التي أمرت بالاحتجاز أو سمحت باستمراره.
وفي السياق ذاته، تنظر «صحفيات بلا قيود» بخطورة بالغة إلى تهديدات القتل الموجهة إلى صحفيي المؤسسة الإعلامية المستقلة «دارفور 24»، والمنسوبة إلى أفراد من حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد النور، فضلًا عن حملة التحريض المنسقة التي تستهدف المؤسسة وصحفييها بسبب تغطيتهم للنزاع.
إن التهديد بالقتل والتحريض ضد الصحفيين ليسا تعبيرًا عن خلاف مع التغطية الإعلامية، بل اعتداء مباشر على سلامة العاملين في الصحافة ومحاولة لإجبارهم على الصمت. ولا يجوز لأي قوة مسلحة أن تمنح نفسها سلطة تحديد ما يحق للصحفيين نشره أو أن تستخدم السلاح والترهيب للانتقام من التغطية التي لا تتفق مع روايتها.
وتحذر "صحفيات بلاقيود" من أن حملات التحريض العلنية في بيئة تعج بالسلاح والانتهاكات قد تتحول سريعًا إلى اعتداءات فعلية أو عمليات قتل. ولذلك تتحمل الجهات التي تطلق التهديدات أو تنشر خطاب التحريض، وكذلك القيادات التي تمتنع عن وقفه ومحاسبة المسؤولين عنه، مسؤولية مباشرة عن المخاطر التي يتعرض لها صحفيو «دارفور 24».
ولا يمكن فصل هذه الوقائع عن الانهيار الواسع لحرية الصحافة في السودان منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. حيث وثقت صحفيات بلاقيود على مدار السنوات مقتل وإصابة العشرات من الصحفيين والصحفيات، إلى جانب حالات متعددة من الاحتجاز والاعتداء الجنسي والتهديد والهجوم على العاملين في وسائل الإعلام. كما أن الصحفيات الثلاث من بين ثمانية صحفيين على الأقل أخذتهم قوات الدعم السريع منذ بداية النزاع، ومن بينهم الصحفي معمر إبراهيم.
وقالت صحفيات بلاقيود: تحول الصحفيون السودانيون إلى أهداف لدى أطراف الحرب، لا لشيء سوى لأنهم يوثقون ما يجري وينقلون أصوات الضحايا. ويكشف استهدافهم عن سعي ممنهج إلى فرض التعتيم وإخلاء مناطق النزاع من الشهود المستقلين، بما يسمح بارتكاب الانتهاكات بعيدًا عن الرقابة والمساءلة.
وتشدد «صحفيات بلا قيود» على أن الصحفيين العاملين في مناطق النزاع يتمتعون بحماية المدنيين بموجب القانون الدولي الإنساني ما لم يشاركوا مباشرة في الأعمال العدائية. ولا تسقط عنهم هذه الحماية بسبب انتقادهم أحد الأطراف أو نشرهم معلومات لا ترضى عنها قوة مسلحة. ويجب التحقيق في الاختطاف والاحتجاز التعسفي والتهديد بالقتل والتحريض على العنف بوصفها انتهاكات جسيمة قد ترتب مسؤولية فردية على مرتكبيها وقادتهم.
وقالت السيدة توكل كرمان: إن حياة إشراقة وزهراء ومواهب ليست ورقة تفاوض، والصحفيون السودانيون ليسوا هدفًا عسكريًا. وكل يوم يستمر فيه الاحتجاز والحرمان من العلاج يزيد الخطر على حياة الصحفيات ويضاعف مسؤولية محتجزيهن. كما أن الصمت عن تهديد الصحفيين يمنح المحرضين مساحة لتحويل كلماتهم إلى رصاص.
المطالب
تطالب منظمة «صحفيات بلا قيود» قوات الدعم السريع بالإفراج الفوري وغير المشروط عن إشراقة عبد الرحمن وزهراء محمد الحسن ومواهب إبراهيم، وعن جميع الصحفيين ونشطاء حقوق الانان المحتجزين لديها بسبب عملهم المهني. وإلى حين إتمام الإفراج، يتعين عليها الكشف عن أوضاع المحتجزين وأماكن وجودهم، وتمكين أسرهم ومحاميهم من التواصل معهم، والسماح بوصول فرق طبية مستقلة واللجنة الدولية للصليب الأحمر إليهم من دون قيود، وضمان عدم تعرضهم لأي انتقام أو نقل قسري.
وتدعو المنظمة قيادة حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور إلى التحقيق الفوري في تهديدات القتل المنسوبة إلى أفراد تابعين لها، وإعلان نتائج التحقيق، ومحاسبة المسؤولين، وإصدار تعليمات ملزمة تمنع التحريض أو التهديد أو التعرض للصحفيين. كما تحمل قوات الدعم السريع والحركة المسؤولية عن سلامة صحفيي «دارفور24» ومراسليها، وتطالب جميع أطراف النزاع بوقف حملات التشهير والتخوين التي تمهد للاعتداء على العاملين في الصحافة.
وتحث «صحفيات بلا قيود» بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان على توثيق احتجاز صحفيات «راديو نيالا» والتهديدات الموجهة إلى شبكة «دارفور24»، وحفظ الأدلة المتعلقة بها، والتحقيق في المسؤولية القيادية والفردية تمهيداً لإدراجها ضمن مسارات المساءلة الدولية. كما تدعو المفوضية السامية لحقوق الإنسان، واليونسكو، والمقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، والمقررة الخاصة المعنية بالعنف ضد النساء والفتيات، والآليات المختصة في اللجنة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، إلى التحرك العاجل لحماية الصحفيات والصحفيين السودانيين.
وعلى الدول ذات النفوذ على أطراف الحرب ألا تكتفي ببيانات القلق. يجب أن تجعل الإفراج عن الصحفيين، ووقف التهديدات ضد وسائل الإعلام، والسماح بالوصول الإنساني المستقل شروطاً واضحة في أي تواصل سياسي أو دعم مادي أو مسار تفاوضي. فاستهداف الصحفيين في السودان ليس أثراً جانبياً للحرب؛ إنه اعتداء على الشهود وعلى حق المجتمع في معرفة حقيقة ما يُرتكب باسمه وعلى أرضه.
وتؤكد «صحفيات بلا قيود» أن إسكات الصحفيين لن يمحو الجرائم، وأن استهداف من يوثقون الحرب لن يحجب الحقيقة. المطلوب الآن هو الإفراج الفوري عن المحتجزات، وحماية الصحفيين المهددين، ومحاسبة كل من اختطف أو عذب أو هدد أو حرض على العنف ضد العاملين في الإعلام.

Ar
En
