تدين منظمة «صحفيات بلا قيود» قرار منصة «إكس» حجب ما لا يقل عن 65 حساباً حقوقياً وسياسياً وإعلامياً عن المستخدمين داخل المملكة العربية السعودية منذ 13 يوليو/تموز 2026، استجابةً لطلبات صادرة عن السلطات السعودية.
وطال الحجب منظمات مستقلة ومدافعين عن حقوق الإنسان وأكاديميين ونشطاء يعيشون في المنفى، بينهم منظمة «القسط لحقوق الإنسان»، و«الديوان الديمقراطي»، ويحيى عسيري، وعلي الدبيسي، وعبدالله العودة، وعبدالله الجريوي، والأكاديمية مضاوي الرشيد، وحزب التجمع الوطني، إلى جانب أصوات سعودية معارضة ووسائل إعلام مستقلة.
تلقى أصحاب الحسابات المتضررة رسائل متطابقة من منصة «إكس» تفيد بحجب محتواهم داخل المملكة امتثالاً لما وصفته الشركة بالتزاماتها بموجب القوانين المحلية. وأُرفق بهذه الرسائل قرار من النيابة العامة السعودية يستند إلى نظام مكافحة جرائم المعلوماتية، ويورد عبارات فضفاضة من قبيل «المساس بالنظام العام أو القيم الدينية أو الآداب العامة»، من دون تحديد المنشورات محل الادعاء، أو بيان الضرر المزعوم، أو إتاحة طريق واضح وفعال للاعتراض والاستئناف. ويكشف هذا المسار عن إجراء رقابي جماعي يفتقر إلى الشفافية والإنصاف الإجرائي، ويعامل التعبير السلمي والعمل الحقوقي بوصفهما جريمة مفترضة لا حقاً أصيلاً.
يمثل قرار «إكس» تراجعاً صريحاً عن موقفها السابق في مايو/أيار، حين أخطرت بعض المستخدمين بأنها لم تتخذ إجراءً بشأن الطلبات السعودية وأعلنت تمسكها بحماية أصوات مستخدميها. كما لا يمكن فصل هذا القرار عن موجة أوسع من الحجب الرقمي؛ فمنذ مارس/آذار 2026 حجبت شركة «ميتا» أكثر من مئة حساب على «فيسبوك» و«إنستغرام» داخل السعودية والإمارات، فيما فرضت «سناب شات» قيوداً على حسابات داخل المملكة من دون إخطار أصحابها، واتخذت «يوتيوب» إجراءات مماثلة لم يُكشف حتى الآن عن نطاقها الكامل.
منظومة رقابة عابرة للحدود
وكانت صحفيات بلاقيود حذرت في تقرير ابريل/نيسان 2026 من خطورة تمدد سلوك "اكس" بعد أن استجابت لطلب الإمارات بحجب حسابات معارضين وأكثر من 35 حسابًا لشخصيات إعلامية وبحثية عربية بارزة، من بينهم صحفيون وباحثون متخصصون في التضليل الإعلامي، إضافة إلى منصات تحقق من الأخبار ومنصات إعلامية مستقلة، باتهامات فضفاضة تتعلق بـ«الإضرار بالأمن القومي» أو «الاقتصاد الوطني» أو «النظام العام». ووفقًا للتقرير، امتثلت منصة «إكس» لهذه الطلبات عبر تفعيل سياسة حجب المحتوى في بلد محدد، ما يثير تساؤلات حول مسؤولية شركات التكنولوجيا عندما تتحول أدواتها إلى وسيلة لتنفيذ الرقابة الحكومية.
وقالت صحفيات بلاقيود إن "هذه التدابير ليست قرارات تقنية محايدة، ولا مجرد استجابة إدارية لطلبات قانونية. إنها تسهم عملياً في بناء منظومة رقابة عابرة للحدود، توظف فيها السلطات قوانين فضفاضة لإسكات المنتقدين، بينما تتولى شركات التكنولوجيا تنفيذ الحجب ومنع الجمهور داخل البلاد من الوصول إلى المعلومات المستقلة.
وأضافت: حين يُغلق المجال المدني في الداخل، ويواجه التعبير السلمي خطر الملاحقة والسجن، تصبح أصوات المدافعين والصحفيين والصحفيات في المنفى ركناً لا غنى عنه لكشف الانتهاكات ومقاومة الرواية الرسمية الأحادية. واستهداف هذه الأصوات داخل نطاق جمهورها الطبيعي امتداد واضح للقمع العابر للحدود ومحاولة لعزلها عن المجتمع الذي تخاطبه.
تكفل المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حق كل إنسان في اعتناق الآراء وتلقي المعلومات والأفكار ونقلها عبر مختلف الوسائل ودونما اعتبار للحدود. ولا تستوفي القيود المبنية على أوصاف مطاطة مثل «النظام العام» و«القيم الدينية» و«الآداب العامة» شروط الشرعية والضرورة والتناسب، ولا سيما عندما تُفرض بصورة جماعية، ومن دون تحديد المحتوى المخالف أو توفير ضمانات الاعتراض والمراجعة المستقلة.
كما تقرر مبادئ الأمم المتحدة التوجيهية بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان مسؤولية مستقلة على عاتق الشركات عن احترام حقوق الإنسان، وتقتضي منها تقييم الآثار الحقوقية للطلبات الحكومية، وتجنب التسبب في الانتهاكات أو الإسهام فيها، واتخاذ تدابير لمنع الضرر وتخفيفه وجبره. ولا يعفي الاحتجاج بالقانون المحلي الشركات من واجب البحث عن السبل التي تتيح لها احترام المعايير الدولية إلى أقصى حد ممكن، ولا يمنحها ترخيصاً لتنفيذ أوامر رقابية مبهمة على حساب الحق في حرية التعبير والوصول إلى المعلومات.
المطالب
تطالب «صحفيات بلا قيود» شركات «إكس» و«ميتا» و«سناب» بالرفع الفوري والكامل للحجب المفروض على جميع الحسابات المتضررة، وتعليق تنفيذ أي طلبات مماثلة إلى أن تخضع لمراجعة حقوقية مستقلة ودقيقة. ويتعين على هذه الشركات الكشف عن عدد الطلبات التي تلقتها، والجهات التي أصدرتها، والأساس القانوني والمحتوى المحدد لكل طلب، ونشر تقييماتها للآثار الحقوقية، وإخطار أصحاب الحسابات قبل اتخاذ أي إجراء، وضمان آلية اعتراض فعالة ومستقلة ومحددة المدة.
وتدعو المنظمة السلطات السعودية والإمارات إلى سحب أوامر الحجب، والكف عن استخدام تشريعات مكافحة الجرائم المعلوماتية والإرهاب لتجريم التعبير السلمي وملاحقة المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين في الداخل والخارج، ومراجعة النصوص الفضفاضة بما ينسجم مع المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير.
كما تحث المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بحرية الرأي والتعبير، والمقررة الخاصة المعنية بحالة المدافعين عن حقوق الإنسان، والفريق العامل المعني بمسألة حقوق الإنسان والشركات عبر الوطنية، على مخاطبة السلطات والشركات المعنية بصورة عاجلة، والتحقيق في اتساع هذه الممارسات وأثرها في المجتمع المدني وحرية الصحافة، والعمل على ضمان سبل انتصاف فعالة للمتضررين.
وقالت صحفيات بلاقيود: ستظل المسؤولية الأولى عن هذه الرقابة واقعة على السلطات التي أصدرت أوامر الحجب، غير أن الشركات التي تنفذها، رغم علمها بالسياق القمعي وبالآثار المتوقعة، لا تستطيع التنصل من مسؤوليتها الحقوقية. فحرية التعبير لا تفقد حمايتها عند الحدود الرقمية، ولا يجوز تحويل منصات التواصل من فضاء لتداول المعلومات إلى ذراع تنفيذية لسياسات تكميم الأفواه.

Ar
En
