البيانات الصحفية

إيران: السجن 15 عاماً للمصورة يلدا معيري حلقة في حملة لإسكات الصحافة وإخضاع المجتمع بالخوف

إيران: السجن 15 عاماً للمصورة يلدا معيري حلقة في حملة لإسكات الصحافة وإخضاع المجتمع بالخوف

جنيف- تدين منظمة «صحفيات بلا قيود» الحكم الصادر عن الفرع 29 من المحكمة الثورية في طهران بسجن المصورة الصحفية الإيرانية يلدا معيري 15 عاماً، في محاكمة جرت غيابياً ومن دون تمكينها من الاطلاع على ملف قضيتها أو معرفة الأدلة المقدمة ضدها والدفاع عن نفسها بصورة فعالة. 

استند الحكم الصادر في 10 أغسطس/آب إلى اتهام فضفاض بممارسة «أنشطة تخدم مصالح النظام الصهيوني والولايات المتحدة». ووفقاً لإفادة معيري، اشتمل ملفها على صور التقطتها ومقابلات أجرتها مع وسائل إعلام أجنبية، بما يكشف أن جوهر الملاحقة ليس فعلاً إجرامياً معترفاً به، بل عملها الصحفي وتوثيقها أحداثاً حاولت السلطات حجبها عن الجمهور.

وشمل الحكم، الصادر ابتدائياً والقابل للاستئناف، مصادرة كاميراتها ومعداتها وهاتفها المحمول، ومنعها من ممارسة الأنشطة الثقافية والفنية والنشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وحرمانها من تولي أي وظيفة عامة.

كانت معيري قد وثقت الاحتجاجات الواسعة التي شهدتها طهران في يناير/كانون الثاني 2026، بما في ذلك جنازة أحد الأشخاص الذين قُتلوا خلال قمع المظاهرات. ونُشرت صورها في البداية من دون اسم حمايةً لها، قبل أن تطلب لاحقاً إسنادها إليها. وبعد نشر الصور، داهم عناصر أمن منزلها مرتين في فبراير/شباط ومارس/آذار، وصادروا حاسوبها وهاتفها وأجهزة إلكترونية أخرى، كما عُطلت شريحة هاتفها بأمر من وزارة الاستخبارات.

وبحسب معيري، حاولت المحكمة استدعاءها هاتفياً إلى جلسة المحاكمة رغم أن السلطات نفسها كانت قد عطلت خط هاتفها، ولذلك لم تعلم بانعقاد الجلسة. إن ترتيب محاكمة غيابية عبر وسيلة اتصال عطلتها الدولة، ثم إصدار عقوبة قاسية من دون تمكين المتهمة من الاطلاع على الملف أو مناقشة الأدلة، يمثل انتهاكاً صارخاً للحق في الإخطار الفعلي بالتهم، والحضور، وإعداد الدفاع، والاستعانة بمحام، ومحاكمة عادلة وعلنية أمام محكمة مستقلة ومحايدة.

ولا تعد هذه المرة الأولى التي تتعرض فيها يلدا معيري للانتقام بسبب عملها. فقد اعتُقلت أثناء تغطيتها احتجاجات حركة «المرأة، الحياة، الحرية» في سبتمبر/أيلول 2022، وأمضت عدة أشهر رهن الاحتجاز. كما سبق أن حكمت عليها محكمة ثورية بعقوبات سالبة للحرية وتدابير مهينة، من بينها إلزامها بأداء عمل غير مدفوع الأجر في تنظيف الشوارع. ويكشف تكرار الملاحقة أن السلطات لا تتعامل مع التصوير الصحفي بوصفه ممارسة مهنية محمية، وإنما بوصفه تهديداً يجب معاقبة صاحبه ومصادرة أدواته ومنعه من العودة إلى عمله.

ترى «صحفيات بلا قيود» أن الحكم لا يستهدف معيري وحدها، بل يحمل رسالة ترهيب إلى كل صحفي وصحفية وفنان وناشط يفكر في توثيق الاحتجاجات أو الضحايا أو انتهاكات أجهزة الدولة. فالصورة الصحفية، في بيئة تفرض فيها السلطات التعتيم وقطع الاتصالات والقيود على الإعلام، تصبح دليلاً وشهادة ووسيلة لحماية الحقيقة من المحو. ولهذا فإن مصادرة الكاميرات والأجهزة ليست إجراءً ثانوياً؛ إنها اعتداء مباشر على أدوات العمل الصحفي ومحاولة لمحو المادة التوثيقية ومنع إنتاج مزيد منها.

يأتي الحكم ضمن حملة قمع أوسع اشتدت تحت ذريعة «ظروف الحرب» منذ بدء الحرب الإيرانية مع الولايات المتحدة وإسرائيل في 28 فبراير/شباط 2026. وتشمل الحملة اعتقالات جماعية، ومحاكمات عاجلة وغير عادلة، وأحكاماً قاسية، ومصادرة الممتلكات، وتوسيع استخدام اتهامات التجسس والتعاون مع «دول معادية» ضد المحتجين والصحفيين وكل من ينقل معلومات إلى وسائل إعلام أو منظمات مستقلة.

وفي أخطر تجليات هذه الحملة، تصاعد استخدام عقوبة الإعدام أداةً لمعاقبة المعارضة وبث الخوف. فقد وثقت منظمة «حقوق الإنسان في إيران» تنفيذ ما لا يقل عن 444 حكماً بالإعدام بين بداية يناير/كانون الثاني ونهاية يوليو/تموز 2026، بينهم 12 امرأة و80 شخصاً من الأقليات العرقية. ولم تعلن المصادر الرسمية سوى نحو 15% من هذه الإعدامات. وشمل العدد 28 متظاهراً، و13 سجيناً سياسياً، و12 شخصاً أدينوا باتهامات مرتبطة بالتجسس أو التعاون مع دول أجنبية.

ووثقت صحفيات بلاقيود ومنظمات أخرى إعدام ما لا يقل عن 26 شخصاً تعسفياً على خلفية احتجاجات يناير/كانون الثاني، بعد محاكمات أمام المحاكم الثورية شابتها ادعاءات بالتعذيب وانتزاع «اعترافات» قسرية والحرمان من المحامين وضمانات الدفاع. وأُعدم 26 شخصاً آخرين على الأقل في قضايا ذات دوافع سياسية، فيما يواجه 60 شخصاً أو أكثر خطر تنفيذ أحكام الإعدام، بينهم ثلاثة كانوا دون الثامنة عشرة وقت الأفعال المنسوبة إليهم.

اقرأ أيضاً.. إيران: أوقفوا أحكام الإعدام بحق محتجي يناير ولا تجعلوا إسعاف الجرحى طريقاً إلى المشنقة

وفي 28 يوليو/تموز، نفذت السلطات علناً حكمي الإعدام بحق أمير حسين صفري وأبو الفضل سباهي، اللذين اعتُقلا خلال احتجاجات أصفهان وحوكما ضمن قضية جماعية شديدة الجور. وتشير هذه الإعدامات العلنية إلى توظيف متعمد للعقوبة بوصفها مشهداً للعقاب الجماعي ورسالة ترهيب للمجتمع، لا إجراءً قضائياً مشروعاً.

ويمتد التضييق إلى المجال الثقافي والاجتماعي. فقد استدعت الأجهزة الأمنية والقضائية، بحسب المعلومات المنشورة، قرابة مئة شخصية من الفنانين والعاملين في السينما بعد احتجاجهم على موجة الإعدامات. كما أغلقت عشرات المقاهي والمطاعم في وسط طهران بذريعة مخالفة قواعد الحجاب الإلزامي، وأُجبر بعضها على توقيع تعهدات بمراقبة ملابس الموظفات والزبائن ومنع تجمع الشبان والشابات في الأرصفة المحيطة بها. وفي مدينة يزد، أغلقت الشرطة مطلع أغسطس/آب أربعة أندية رياضية مخصصة للنساء من دون إعلان أسباب واضحة.

تكشف هذه الإجراءات، مجتمعة، استراتيجية تستهدف الفضاء المدني بكل مكوناته: الصحفي الذي يوثق، والفنان الذي يحتج، والمرأة التي ترفض الحجاب القسري، والمقهى الذي يتيح للشباب الاجتماع، والنادي الذي يوفر للنساء مساحة مستقلة. والغاية هي تحويل الحياة اليومية إلى مجال للمراقبة والعقاب، وتجريد المجتمع من الأماكن والأدوات التي تسمح بالتعبير والتواصل والتنظيم السلمي.

تكفل المادتان 14 و19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعد إيران دولة طرفاً فيه، الحق في المحاكمة العادلة وحرية التعبير والبحث عن المعلومات وتلقيها ونقلها بمختلف الوسائل. ولا يجوز تقييد العمل الصحفي باتهامات أمنية مطاطة لا تحدد ضرراً ملموساً أو سلوكاً إجرامياً مشروعاً، كما لا يمكن اعتبار إجراء مقابلات مع وسائل إعلام أجنبية أو نشر صور الاحتجاجات تعاوناً عدائياً يبرر السجن ومصادرة الأجهزة والمنع المهني.

وتفرض المادة السادسة من العهد حماية صارمة للحق في الحياة. وحتى في الدول التي لم تلغ عقوبة الإعدام، لا يجوز تطبيقها إلا على «أشد الجرائم خطورة»، وهو معيار يقتصر على الجرائم التي تنطوي على قتل عمد. ولا يجوز تنفيذ حكم بالإعدام صدر عن محاكمة تفتقر إلى الضمانات الأساسية؛ إذ يصبح الحرمان من الحياة في هذه الحالة تعسفياً. ولا تبرر الحرب أو التوترات الأمنية إعدام المحتجين أو المعارضين أو من ينقلون المعلومات، ولا تعفي الدولة من التزاماتها غير القابلة للتعطيل بحماية الحياة وحظر التعذيب.

 

المطالب

تطالب منظمة «صحفيات بلا قيود» السلطات الإيرانية بإلغاء الحكم الصادر بحق يلدا معيري فوراً، وإسقاط جميع التهم المرتبطة بعملها الصحفي، وإعادة أجهزتها ومعداتها المصادرة، ورفع الحظر عن خط هاتفها وعن نشاطها الصحفي والثقافي والفني والرقمي. كما تطالب بضمان سلامتها وعدم اعتقالها أو الانتقام منها بسبب إعلان الحكم أو الطعن فيه، والتحقيق المستقل في الانتهاكات الإجرائية التي شابت قضيتها ومحاسبة المسؤولين عنها.

وتطالب المنظمة بوقف جميع الإعدامات فوراً، وإعلان تعليق رسمي شامل لتنفيذ أحكام الإعدام تمهيداً لإلغائها، وإلغاء أحكام الموت الصادرة على خلفية الاحتجاجات أو الأنشطة السياسية والإعلامية السلمية. كما يجب إعادة محاكمة كل من أدين في إجراءات غير عادلة أمام محاكم مختصة ومستقلة، واستبعاد أي اعترافات أو أدلة انتُزعت تحت التعذيب، والتحقيق في ادعاءات الإخفاء القسري وسوء المعاملة.

وتدعو «صحفيات بلا قيود» السلطات إلى وقف استدعاء الصحفيين والفنانين والمدافعين عن حقوق الإنسان بسبب تعبيرهم السلمي، وإلغاء التشريعات التي تجرّم التواصل المشروع مع وسائل الإعلام والمنظمات الدولية، وإعادة فتح المقاهي والمطاعم والأندية النسائية التي أغلقت تعسفياً، وإنهاء استخدام تراخيص الأعمال واشتراطات الحجاب وسيلةً لمعاقبة النساء والسيطرة على الفضاء العام.

كما تحث بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن إيران على توثيق قضية يلدا معيري والحملة المتصاعدة ضد الصحفيين والفنانين والنساء، وحفظ الأدلة المتعلقة بالمحاكمات الجائرة والإعدامات والاعتقالات. وتدعو المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، والمقررة الخاصة المعنية بحرية الرأي والتعبير، والمقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج القضاء، واليونسكو، إلى مخاطبة السلطات الإيرانية بصورة عاجلة والمطالبة بإلغاء الحكم وضمان حماية معيري وجميع العاملين في الصحافة.

لا يجوز للمجتمع الدولي أن يسمح بأن تحجب الحرب الانتهاكات التي ترتكبها السلطات الإيرانية ضد شعبها. فإدانة الهجمات العسكرية غير المشروعة على إيران لا تتعارض مع إدانة القمع الداخلي، ولا تمنح السلطات ترخيصاً لتحويل «الأمن القومي» إلى ذريعة لسجن الصحفيين وإعدام المحتجين وإخضاع النساء وإغلاق المجال المدني. إن حماية يلدا معيري اليوم هي دفاع عن حق المجتمع الإيراني والعالم في رؤية الحقيقة التي حاولت عدستها أن تحفظها من الإخفاء.

 

Author’s Posts

مقالات ذات صلة

Image