تعرب منظمة «صحفيات بلا قيود» عن بالغ قلقها إزاء التدهور المتكرر في الحالة الصحية لرئيس البرلمان التونسي السابق ورئيس حركة النهضة راشد الغنوشي، البالغ من العمر 85 عاماً، وما رافق نقله إلى المستشفى من انقطاع أخباره وحرمانه، لنحو أحد عشر يوماً، من الاتصال بعائلته ومحاميه والحصول على معلومات موثوقة عن مكان وجوده ووضعه الصحي.
وبحسب المعلومات التي أعلنتها هيئة الدفاع، تعرض الغنوشي لحالة إغماء داخل سجن المرناقية في 17 يوليو/تموز 2026، في ظل موجة حر قاسية وظروف احتجاز تفتقر إلى التهوية والتبريد الملائمين، ما استدعى نقله إلى المستشفى. ولم تتمكن أسرته أو هيئة الدفاع طوال فترة علاجه من زيارته أو التواصل معه، كما لم يصدر عن الجهات الرسمية توضيح شفاف بشأن مكان وجوده أو طبيعة حالته الصحية والعلاج الذي يتلقاه.
وأُعيد الغنوشي إلى سجن المرناقية في 27 يوليو/تموز بعد تحسن نسبي في حالته، وتمكن عدد من محاميه من زيارته عقب عودته. غير أن السماح المتأخر بالزيارة لا يمحو الانتهاك الذي وقع خلال فترة وجوده في المستشفى، ولا يعفي السلطات من تفسير الأسباب القانونية والأمنية التي استندت إليها في عزله عن محاميه وأسرته في ظرف صحي دقيق.
وقالت السيدة توكل كرمان رئيسة المنظمة الحائزة على جائزة نوبل للسلام (2011): إن تعريض رجل في الخامسة والثمانين، يعاني أمراضاً مزمنة، لحرارة خانقة وظروف احتجاز قاسية، ثم حرمانه من الضمانات الأساسية للحماية والتواصل، ليس إجراءً إدارياً ولا تقصيراً عابراً؛ بل معاملة قاسية ومهينة قد تفضي إلى عواقب لا يمكن تداركها. ولن تستطيع السلطات التنصل من مسؤوليتها إذا أدى استمرار هذه الممارسات إلى إلحاق ضرر دائم بصحته أو تعريض حياته للخطر.
تحمّل «صحفيات بلا قيود» الرئيس قيس سعيّد والحكومة التونسية وإدارة السجون المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن سلامة راشد الغنوشي. وتطالب بالإفراج الفوري وغير المشروط عنه، وتمكينه فوراً من رعاية طبية مستقلة ومن التواصل المنتظم والخاص مع أسرته ومحاميه.
وقالت السيدة كرمان إن إبقاء الغنوشي في السجن رغم سنه المتقدمة وتدهور صحته، وتحويل المرض والحر والحرمان من الزيارة إلى أدوات ضغط، استمرار خطير في مسار سقوط الدولة التونسية في درك الانتقام السياسي. وعلى السلطات التونسية أن تدرك أن حياة السجين أمانة قانونية في عهدتها، وأن أي مساس بها لن يسقط بالتقادم ولن تحجبه ذرائع القضاء أو الصمت الرسمي.
إضراب احتجاجاً على العزل
أفاد الغنوشي لمحاميه بأنه دخل في إضراب عن الطعام احتجاجاً على عزله التام عن العالم الخارجي، وحرمانه من زيارات الدفاع والأسرة خلال وجوده في المستشفى، وأنه لم يعلق الإضراب إلا بعد تلقيه تعهداً بإعادة السماح بتلك الزيارات. ووفق هيئة الدفاع، أدى الإضراب، مقترناً بوضعه الصحي المتدهور، إلى تفاقم حالته.
إن لجوء محتجز مسن ومصاب بأمراض مزمنة إلى الإضراب عن الطعام حتى ينتزع حقه في التواصل مع محاميه وعائلته يكشف اختلالاً خطيراً في إدارة الاحتجاز. فهذه الحقوق لا ينبغي أن تكون موضع تفاوض أو مكافأة تُمنح مقابل إنهاء الاحتجاج، بل ضمانات قانونية أصيلة لا يجوز تقييدها إلا لضرورة استثنائية محددة، ولمدة قصيرة، وبقرار قابل للمراجعة.
كما تفيد هيئة الدفاع بأن الغنوشي نُقل إلى المستشفى خمس مرات خلال الشهر الأخير وحده. وهو ما ينفي الاطمئنان إلى أن عودته الأخيرة إلى السجن تعني تعافيه الكامل، وتؤكد الحاجة إلى تقييم طبي مستقل يحدد مدى ملاءمة استمرار احتجازه، وقدرة إدارة السجن على توفير الرعاية اللازمة له.
وتطالب المنظمة بنشر توضيح رسمي عن حالته الصحية، وتسليم ملفه الطبي إلى محاميه وأسرته بموافقته، وبيان الأساس الطبي الذي اتُّخذ بموجبه قرار إعادته إلى السجن، مع ضمان عدم تعرضه لأي إجراء عقابي بسبب إضرابه أو بسبب إفصاحه لمحاميه عما تعرض له.
أحد عشر يوماً بمعزل عن الحماية
كما تنظر «صحفيات بلا قيود» بخطورة إلى إبقاء الغنوشي طوال هذه الفترة بمعزل عن أسرته وفريق دفاعه، مع تضارب المعلومات عن المستشفى الذي نُقل إليه وغياب بيان رسمي يوضح حالته. فالاحتجاز بمعزل عن العالم الخارجي، ولا سيما عندما يطال شخصاً مسناً يعاني أمراضاً مزمنة ونُقل عقب فقدانه الوعي، يرفع مخاطر الإهمال وسوء المعاملة ويحرم المحتجز من أهم ضمانات الحماية والرقابة.
وقالت المنظمة إن "الإخفاء القسري" باحتجاز الغنوشي بمعزل عن العالم الخارجي، يستوجب تحقيقاً مستقلاً يحدد دوافع السلطات لتعمد حجب المعلومات عن مكان وجود الغنوشي أو حالته عن أسرته ومحاميه، ومن أصدر قرار منع الزيارة، وما الأساس الذي استند إليه.
وكانت هيئة الدفاع أعلنت، قبل عودته إلى السجن، أن أفراد الأسرة والمحامين لم يتمكنوا من التواصل معه أحد عشر يوماً، مع غياب أي توضيح رسمي من السلطات التونسية.
الرعاية الصحية التزام وليست امتيازاً
تتحمل الدولة المسؤولية الكاملة عن حياة كل شخص تحتجزه وسلامته الجسدية والنفسية. ولا يقتصر هذا الالتزام على نقله إلى المستشفى بعد تدهور حالته، بل يشمل الوقاية من الخطر، وتوفير ظروف احتجاز إنسانية، وإتاحة الفحص والعلاج في الوقت المناسب، وضمان استمرارية الرعاية الطبية وعدم إعادته إلى بيئة يُرجح أن تعيد إنتاج أسباب التدهور.
وتلزم قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء «قواعد نيلسون مانديلا» إدارات السجون بتوفير الرعاية الصحية، وضمان الوصول العاجل إلى العلاج في الحالات الطارئة، ونقل من يحتاج إلى رعاية متخصصة إلى منشأة طبية مناسبة. كما توجب توفير أماكن احتجاز تراعي التهوية ودرجات الحرارة والمساحة والضوء، ولا تعرض السجناء لظروف تمس صحتهم أو كرامتهم.
وبالنظر إلى سن الغنوشي وأمراضه المزمنة وتكرر نقله إلى المستشفى، فإن إبقاءه في زنزانة شديدة الحرارة أو سيئة التهوية، من دون مراقبة طبية مستمرة، قد يرقى إلى معاملة قاسية أو لاإنسانية أو مهينة إذا كانت السلطات تعلم بالخطر ولا تتخذ تدابير فعالة لمنعه.
ولا يكفي الادعاء بأن الغنوشي تلقى العلاج في المستشفى. فلا تُعفى الدولة من مسؤوليتها لمجرد أنها نقلت السجين إلى المستشفى بعد انهيار صحته. تبدأ المسؤولية قبل الإغماء، حين يصبح الحر والمرض والسن المتقدمة أخطاراً معروفة، وتستمر أثناء العلاج وبعد العودة إلى السجن. أما عزل المحتجز عن أسرته ومحاميه في أشد لحظاته الصحية هشاشة، فليس إجراءً إدارياً عابراً، بل مساس مباشر بكرامته وبالضمانات التي تحمي حياته من التعسف والإهمال.
وقالت صحفيات بلاقيود: إن المعيار الحقوقي لا يقاس بلحظة التدخل الطبي وحدها، بل بمدى الوقاية من تكرار الخطر، واستقلال القرار الطبي، وحق المحتجز في معرفة تشخيصه، وقدرته على التواصل مع محاميه وأسرته، وعدم تدخل إدارة السجن في القرارات التي يجب أن يتخذها الأطباء على أساس مهني خالص.
قضية تتجاوز الوضع الصحي
لا يمكن فصل ما تعرض له الغنوشي عن السياق الأوسع الذي تشهده تونس منذ يوليو/تموز 2021، والذي اتسم بتصاعد ملاحقة المعارضين السياسيين والمحامين والصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، واستخدام تهم «التآمر على أمن الدولة» والإرهاب في محاكمات أثارت اعتراضات جدية بشأن استقلال القضاء وحقوق الدفاع.
واعتُقل الغنوشي في 17 أبريل/نيسان 2023، ثم صدرت بحقه أحكام متراكمة بالسجن في قضايا متعددة، يرفض هو ومحاموه مشروعيتها ويصفونها بأنها ذات دوافع سياسية. وتؤكد السلطات التونسية في المقابل استقلال القضاء وتنفي استهداف المعارضين بسبب مواقفهم، لكن هذا النفي لا يتسق والمعلومات الواردة عن الانتهاكات الإجرائية المحددة، ولا عن تمكين المراقبين المستقلين من فحص مدى احترام المحاكمات لضمانات العدالة.
وخلص الفريق العامل التابع للأمم المتحدة المعني بالاحتجاز التعسفي، في الرأي رقم 63 لسنة 2025، إلى أن حرمان الغنوشي من حريته تعسفي ومرتبط بممارسته السلمية لحقوقه الأساسية ودوره السياسي، ودعا إلى الإفراج الفوري عنه ومنحه حقاً قابلاً للإنفاذ في التعويض، وفتح تحقيق مستقل في الانتهاكات. ورغم ذلك، استمر احتجازه وتعددت الأحكام الصادرة بحقه.
كما سبق ووثقت صحفيات بلاقيود إخضاع قيادات وأعضاء في حركة النهضة لمحاكمات شابتها انتهاكات لحقوق الدفاع، من بينها عقد جلسات عن بُعد بصورة أعاقت التواصل الفعال مع المحامين، والاعتماد على شهادات مجهولة وأدلة متنازع عليها، وفرض عقوبات سجن طويلة في سياق وصفته بأنه استهداف متصاعد للمعارضة السياسية.
مطالب عاجلة
تطالب «صحفيات بلا قيود» السلطات التونسية بالإفراج الفوري عن راشد الغنوشي باعتباره معتقل سياسياً وتنفيذاً لرأي الفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي، وبالنظر إلى سنه ووضعه الصحي وتكرر نقله إلى المستشفى، وضمان عدم إخضاعه لأي ملاحقة أو عقوبة بسبب نشاط سياسي سلمي أو ممارسة حرية الرأي والتعبير.
وإلى حين الإفراج عنه، تطالب المنظمة بإجراء فحص طبي شامل ومستقل، وتمكين أطباء يختارهم الغنوشي أو توافق عليهم أسرته من تقييم حالته، ونقله إلى منشأة طبية متخصصة إذا أوصى الأطباء بذلك، وعدم إعادته إلى أي مكان احتجاز لا تتوافر فيه التهوية والتبريد والرعاية الملائمة.
وتطالب المنظمة بالسماح لمحاميه وأفراد أسرته بزيارته والتواصل معه بانتظام وفي خصوصية، وتمكين الدفاع من الاطلاع على التقارير الطبية والقرارات المتعلقة بنقله وعلاجه، والتحقيق في حرمانه من الاتصال طوال فترة وجوده في المستشفى، ومحاسبة من يثبت أنه أصدر أو نفذ قراراً تعسفياً بعزله.
كما تدعو إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية أحمد نجيب الشابي وجميع السجناء المسنين والمصابين بأمراض مزمنة أو ذوي الإعاقة من موجة الحر، وإجراء مراجعة طبية مستقلة لأوضاعهم، وضمان ألا تُستخدم ظروف الاحتجاز القاسية وسيلة لإضعافهم أو معاقبتهم خارج نطاق الأحكام القضائية.
وتحث «صحفيات بلا قيود» المفوضية السامية لحقوق الإنسان والفريق العامل المعني بالاحتجاز التعسفي والمقررين الخاصين المعنيين بالتعذيب والحق في الصحة واستقلال القضاة والمحامين على مخاطبة الحكومة التونسية بصورة عاجلة، وطلب معلومات عن ظروف احتجاز الغنوشي وما تعرض له خلال فترة علاجه، ومتابعة تنفيذ الدعوة الأممية إلى الإفراج عنه.

Ar
En
