شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا خلال العام الماضي (مايو/آيار 2025-2026) تدهورا خطيرا وممنهجا في حالة حرية الصحافة، حيث استمرت ممارسة العمل الإعلامي كنشاط محفوف بالمخاطر الجسيمة التي ترقى في مناطق النزاع إلى مستوى جرائم الحرب.
يعكس هذا التدهور تآكلا مقلقا للحصانة الدولية المقررة للصحفيين، مع تصاعد وتيرة الاعتقالات التعسفية، والقتل خارج نطاق القضاء، واستخدام التشريعات المحلية كأدوات لقمع الأصوات المستقلة في ظل الأنظمة الاستبدادية وتصاعد النزاعات المسلحة.
يبرز تقرير صحفيات بلاقيود "أقلام تحت النار: معركة البقاء للصحافة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا" واقعا شديد الخطورة يواجه الصحفيات على وجه التحديد، حيث يتعرضن لانتهاكات مركبة تشمل القمع السياسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي. يتطلب هذا الواقع تراجعاً من حكومات المنطقة وتدخلا دوليا عاجلا لضمان المساءلة، وتفكيك بيئة الإفلات من العقاب التي تسمح للجناة، سواء كانوا جهات حكومية أو فاعلين من غير الدول، بمواصلة ارتكاب هذه الانتهاكات دون رادع قانوني.
وقالت السيدة توكل كرمان رئيسة منظمة صحفيات بلاقيود (الحائزة على جائزة نوبل للسلام): "إن ما يشهده عام 2026 هو إعلان رسمي عن وفاة الحصانة الدولية وسقوط الأخلاق السياسية تحت وطأة الفاشية الرقمية والقمع المؤسسي. لم يعد الصحفيون في منطقتنا يواجهون مخاطر المهنة التقليدية، بل يتعرضون لعمليات تصفية جسدية واغتيالات معنوية ممنهجة برعاية دول وأطراف نزاع تستخدم التجويع والترهيب والاعتداءات الجنسية كأسلحة حرب لإخراس الحقيقة. إن عجز المجتمع الدولي عن حماية مئات الصحفيين في غزة والسودان واليمن، وصمته تجاه تسليح القوانين ضد الكلمة في مصر والأردن والخليج، هو ضوء أخضر لاستكمال جريمة الإبادة الإعلامية."
وأضافت: "إننا في 'صحفيات بلا قيود' نحيي شجاعة الصحفيين والصحفيات الذين يواصلون العمل تحت النيران وفي غرف التحقيق. إن دماء الزملاء الذين سقطوا في فلسطين والسودان واليمن والصومال لن تذهب سدى، ونؤكد أن الإفلات من العقاب هو الوقود الذي يغذي هذه الجرائم. إننا نطالب المجتمع الدولي بالانتقال من بيانات الإدانة إلى إجراءات ملموسة لمحاسبة الجناة وحماية ما تبقى من فضاء حر في منطقتنا."
النزاعات المسلحة والبيئات العدائية
تعرضت الطواقم الصحفية في الأراضي الفلسطينية لحملة تصفية منهجية، حيث وثقت التقارير مقتل ما لا يقل عن 207 من العاملين في الإعلام في قطاع غزة بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأبريل/نيسان 2026، مع تأكيد الاستهداف المتعمد لعدد 32 منهم عبر استخدام الطائرات المسيرة والقصف المباشر. وترافق ذلك مع حظر وصول وسائل الإعلام الدولية، وتنفيذ حملات اعتقال تعسفي طالت 94 صحفيا، ترافق مع ورود تقارير متسقة عن ممارسة التعذيب وسوء المعاملة أثناء الاحتجاز.
في السودان واليمن، تسببت النزاعات في تغييب قسري للحقيقة، حيث قُتل 16 صحفيا في السودان وسط استخدام التجويع والعنف الجنسي كسلاح حرب، واختفاء العديد من الصحفيات قسريا. وفي اليمن، قُتل 31 عاملا في هجوم إسرائيلي على مركز إعلامي للحوثيين في سبتمبر/أيلول 2025، بينما استمرت الأطراف المحلية في ممارسة الاعتقالات التعسفية والمحاكمات غير العادلة.
أما في الصومال، فقد رُصد 72 انتهاكا شمل الاعتقال والترهيب، مع تحمل الأجهزة الأمنية مسؤولية النسبة الأكبر من هذه الانتهاكات في ظل إفلات تام من العقاب. في المقابل، شهدت سوريا تحسنا نسبيا وتقدمت إلى المرتبة 141 بعد التحولات السياسية في ديسمبر/كانون الأول 2024، إلا أن هشاشة الوضع الأمني والمخاطر التي تواجه الصحفيين من الأقليات لا تزال تشكل تحديات جسيمة أمام تأسيس بيئة إعلامية مستقلة.
دول مجلس التعاون الخليجي وإيران
تتسم البيئة الإعلامية في غالبية دول مجلس التعاون الخليجي بالسيطرة الحكومية الصارمة وغياب الاستقلالية، حيث تستمر الملاحقات للمعارضين حتى خارج الحدود، وهو ما تجلى في إعدام الصحفي تركي الجاسر في السعودية عام 2025. في الإمارات، تصاعد القمع الأمني في أعقاب التوترات الإقليمية في عام 2026، وجرى استخدام قوانين الشائعات لملاحقة المدونين وتعريضهم للاختفاء القسري. كما برز نهج عقابي خطير في الكويت وعمان يتمثل في توظيف قوانين الجنسية لسحبها من المعارضين والصحفيين، كما حدث مع الصحفي أحمد شهاب الدين في مارس/آذار 2026.
في إيران، استغلت المحاكم الثورية حالة التوتر الإقليمي والعمليات العسكرية في عام 2026 لتكثيف القمع الداخلي، مما أسفر عن اعتقالات تعسفية واسعة النطاق طالت مئات الصحفيين، بمن فيهم عدد كبير من النساء، وتصفية المؤسسات الإعلامية المستقلة. وفي البحرين، استمرت البيئة الرقمية القمعية عبر فرض الرقابة الذاتية، وإجبار المستخدمين على حذف منشورات التضامن واستدعائهم أمنيا لفترات قصيرة لترهيبهم إلى جانب سحب الجنسيات عن عديد منهم.
شمال أفريقيا ودول الشام
واصلت مصر تصدرها لقائمة الدول الساجنة للصحفيين، معتمدة على توجيه تهم جاهزة مثل نشر أخبار كاذبة وممارسة الاعتقال التعسفي وإعادة تدوير القضايا، وسط انعدام للتعددية الإعلامية وحجب للمواقع المستقلة. وفي تونس، سجلت الحريات تراجعا حادا استنادا إلى المرسوم 54 الذي استُخدم لتجريم الآراء، في حين استمرت السلطات في الجزائر والمغرب في استخدام نصوص قانون العقوبات لاستهداف الصحفيين وإدانتهم في محاكمات تفتقر لضمانات المحاكمة العادلة.
في دول الشام والعراق، شكلت القوانين الفضفاضة الأداة الأبرز للقمع، حيث استخدم الأردن قانون الجرائم الإلكترونية لعام 2023 بشكل مكثف لسجن صحفيات مثل هبة أبوطه على خلفية تعبيرهن السلمي. وفي العراق، تكرست الفجوة بين التشريعات الرسمية والواقع الميداني حيث واجه الصحفيون ملاحقات عشائرية واعتداءات جسدية مستمرة، بينما عانى الصحفيون في لبنان من استهداف مباشر بغارات اسرائيلية أدت إلى مقتل عدد منهم في الجنوب خلال النزاع المسلح.
التكييف القانوني للانتهاكات
تشكل الوقائع الموثقة انتهاكات صريحة للالتزامات التعاقدية والعرفية للدول بموجب القانون الدولي، حيث يمثل القتل العمد للصحفيين واستهداف مقراتهم في فلسطين ولبنان واليمن جرائم حرب تستوجب تفعيل آليات الولاية القضائية العالمية. كما أن ممارسات الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري التي رُصدت في مصر والسودان والإمارات تنتهك المواد 6 و7 و9 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
إن الاستخدام التعسفي لقوانين مكافحة الإرهاب والجرائم الإلكترونية في دول مثل الأردن والمغرب وتونس، يخالف تعليق اللجنة المعنية بحقوق الإنسان رقم 34، الذي يمنع استخدام القوانين كأداة لخنق حرية التعبير. علاوة على ذلك، فإن العنف الجنسي والمضايقات الموجهة للصحفيات تشكل خرقا مباشرا لاتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وتعد مظهرا من مظاهر التمييز المنهجي الذي يهدف إلى إقصاء النساء من الحيز العام.
التوصيات والإجراءات المطلوبة
يتوجب على الدول المعنية الالتزام الفوري بضمانات المحاكمة العادلة، والإفراج الفوري وغير المشروط عن جميع الصحفيين المحتجزين تعسفيا على خلفية عملهم السلمي. كما نطالب المجالس التشريعية الوطنية بتعديل وإلغاء القوانين المقيدة لحرية الصحافة، بما في ذلك قوانين الجرائم الإلكترونية والتشريعات التي تسمح بإسقاط الجنسية تعسفيا، لضمان توافقها التام مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
على المستوى الدولي، نوصي مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بتشكيل آليات تحقيق مستقلة في جرائم استهداف الصحفيين في مناطق النزاع لإنهاء حالة الإفلات من العقاب. كما نطالب المجتمع الدولي بتكثيف الضغط لضمان توفير حماية خاصة للصحفيات، ووقف تصدير تقنيات التجسس الرقمي التي تستخدمها الحكومات لمراقبة الإعلاميين وتقويض حقوقهم في الخصوصية وحرية التعبير.

Ar
En
