الأخبار

الضفة الغربية: إسرائيل تدفع الرعاية الصحية إلى حافة الانهيار

الضفة الغربية: إسرائيل تدفع الرعاية الصحية إلى حافة الانهيار

تدين منظمة «صحفيات بلا قيود» السياسات الإسرائيلية التي تدفع النظام الصحي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة إلى حافة الانهيار، عبر احتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، وتقييد حركة المرضى وسيارات الإسعاف، وعرقلة وصول الأدوية والمساعدات الطبية، وتقويض عمل المؤسسات الصحية والإنسانية.

تؤكد المعطيات المتاحة أن الأزمة لم تعد مجرد عجز إداري أو مالي مؤقت. فمنذ عام 2023، حجبت السلطات الإسرائيلية ما لا يقل عن 2.5 مليار دولار من إيرادات الضرائب والجمارك التي تجمعها لصالح السلطة الفلسطينية، ما أفقد القطاع الصحي مورداً أساسياً لدفع أجور العاملين، وشراء الأدوية، وتشغيل المستشفيات والعيادات والصيدليات العامة.

ونتيجة لذلك، خفض نحو 75% من مرافق الرعاية الصحية في الضفة الغربية ساعات عملها إلى يوم أو يومين أسبوعياً، فيما تراكمت العمليات المؤجلة وانقطعت أدوية الأمراض المزمنة عن مرضى القلب والكلى والسكري والسرطان.

يتزامن هذا الخنق المالي مع حصار ميداني متصاعد. فالحواجز العسكرية والإغلاقات والطرق المقطعة لا تعطل حياة الفلسطينيين اليومية فحسب، بل تقطع الطريق بين المرضى والرعاية العاجلة. وقد أُجبرت نساء على الولادة داخل سيارات إسعاف في يوليو/تموز، وتسببت القيود والتأخيرات، بحسب منظمات طبية، في وفيات كان يمكن تفاديها. لا يكفي القول إن العلاج لم يُمنع بقصد؛ إذ إن النتيجة الواقعة والمرئية هي ذاتها: مريض لا يصل إلى المستشفى، ودواء لا يصل إلى صاحبه، وطبيب لا يستطيع الوصول إلى مكان عمله.

في 27 يوليو/تموز أفادت تقارير عن تأخير مركبة إسعاف كانت تنقل حاملًا في حالة نزف؛ فقدت جنينها، كما اضطرت حالتين أخريين للولادة في مركبتي إسعاف بسبب الإغلاقات. وفي 19 يوليو توفيت سيدة (30 عامًا) وأم لطفلين، بعد انتظار سيارة الإسعاف أكثر من نصف ساعة عند بوابة البلدة إثر جلطة قلبية. وفي 5 يوليو توفي رضيع يبلغ من العمر 4 اشهر بعد منع أسرته من الوصول إلى المستشفى.

وتكشف الأزمة عن ضغط متزامن على البدائل الإنسانية كذلك. فحسب تقارير تضاعف عدد مراجعي العيادات المتنقلة التابعة لمنظمة «أطباء من أجل حقوق الإنسان – إسرائيل» خلال عامين، فيما تعاني عيادات الأونروا من ارتفاع الطلب وشح التمويل والقيود المفروضة على إدخال الأدوية. كما ألغت إسرائيل تراخيص عشرات المنظمات الإنسانية، ومنها منظمة «أطباء بلا حدود»، ما اضطرها إلى تقليص عياداتها المتنقلة في جنوب الخليل إلى النصف، وهو تقليص مسّ عشرات الآلاف ممن لا يملكون سبيلاً آخر للحصول على العلاج.

وقالت صحفيات بلاقيود: إن الرعاية الصحية ليست امتيازاً يمنح عند الهدوء ويُسحب عند التوتر. إنها حق لا يجوز إخضاعه للعقاب الجماعي أو للابتزاز السياسي أو للحسابات الأمنية. وحين تتحول الحواجز والأموال المحتجزة والتراخيص الملغاة إلى أدوات تحدد من يتلقى العلاج ومن يُترك للمرض، تصبح حماية الحق في الصحة واجباً عاجلاً لا يحتمل التأجيل.

إن تحميل مؤسسات الإغاثة والسلطة الفلسطينية وحدها عبء معالجة هذا الانهيار يمثل تنصلاً من المسؤولية القانونية. فإسرائيل، بوصفها القوة القائمة بالاحتلال، ملزمة بموجب المادتين 55 و56 من اتفاقية جنيف الرابعة بضمان الإمدادات الطبية للسكان، وبضمان وصون المنشآت والخدمات الطبية والمستشفيات والصحة العامة في الأرض المحتلة، وتمكين الطواقم الطبية من أداء عملها. وتشمل هذه الالتزامات الامتناع عن التدابير التي تعرقل الوصول إلى العلاج، ومعالجة أي نقص في الأدوية والخدمات بكل الوسائل المتاحة، لا إنتاج هذا النقص أو إدامته.

إن احتجاز الموارد المالية المخصصة للخدمات العامة، ومنع الدواء أو تأخيره، وإغلاق الطرق أمام الإسعاف والمرضى، وتشديد القيود على المنظمات الطبية، ليست إجراءات متفرقة. إنها شبكة من السياسات التي تقوض الحق في الصحة وتقوّض مقومات البقاء الكريم للفلسطينيين. ويدفع ثمنها الفئات الأشد هشاشة: كبار السن، والحوامل، والأطفال، والنازحون، ومرضى الأمراض المزمنة، والعاملون الصحيون الذين يُطلب منهم إنقاذ الأرواح في منظومة جرى إفراغها من مواردها.

تطالب منظمة «صحفيات بلا قيود» السلطات الإسرائيلية بالإفراج الفوري عن جميع أموال المقاصة المحتجزة، وضمان تخصيص ما يلزم منها لرواتب الكوادر الصحية وشراء الأدوية وتجهيز المرافق العامة. كما تطالب بإزالة كل القيود التي تمنع أو تؤخر وصول سيارات الإسعاف والمرضى والعاملين في القطاع الصحي، والسماح غير المشروط بإدخال الأدوية والمستلزمات والمعدات الطبية، واستعادة التراخيص اللازمة للمنظمات الإنسانية والطبية كي تعمل باستقلال وأمان.

وتدعو المنظمة منظمة الصحة العالمية، والمفوضية السامية لحقوق الإنسان، والمقرر الخاص المعني بالحق في الصحة، ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، إلى توثيق أثر هذه السياسات على الحق في الصحة، والتحقيق في مسؤولية من يفرضها وينفذها، واتخاذ خطوات عملية لوقف الإفلات من العقاب. كما تدعو الدول الأطراف في اتفاقية جنيف الرابعة إلى الوفاء بواجبها في ضمان احترام الاتفاقية، وعدم التعامل مع انهيار الخدمات الصحية في الضفة الغربية بوصفه أزمة إنسانية مجردة، بل بوصفه نتيجة مباشرة لسياسات قابلة للتغيير والمساءلة.

 

Author’s Posts

مقالات ذات صلة

Image