الكويت: محاكمة الصحفي أحمد شهاب الدين وتآكل سيادة القانون تحت غطاء المحاكم الاستثنائية
أعربت منظمة صحفيات بلاقيود عن قلقها البالغ إزاء التدهور المتسارع في حالة حقوق الإنسان ودولة القانون في دولة الكويت، حيث تستمر السلطات في الاحتجاز التعسفي للصحفي العالمي البارز أحمد شهاب الدين منذ ستة أسابيع، وإحالته إلى محاكمة استثنائية بتهم تتعلق بممارسة عمله وحقه الأصيل في حرية التعبير ونشر المعلومات.
اعتُقل أحمد شهاب الدين (41 عاماً)، وهو صحفي كويتي مولود في الولايات المتحدة وحائز على جوائز دولية وعمل مع كبريات المؤسسات الإعلامية (مثل نيويورك تايمز، الجزيرة، وبي بي سي)، في 3 مارس/آذار 2026 في مدينة الكويت، وظل في السجن منذ ذلك الحين مع إمكانية وصول محدودة لمحاميه. وتأتي هذه الخطوة في إطار حملة أوسع تشنها السلطات ضد الناشطين عبر فضاء الإنترنت منذ بدء الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي رداً على الحرب الأمريكية/الإسرائيلية على أراضيها في 28 فبراير/شباط 2026.
وتشير الوقائع القانونية إلى أن اعتقال شهاب الدين جاء على خلفية توثيقه لحادثة سقوط طائرة مقاتلة أمريكية في منطقة الجهراء، وهو ما اعتبرته السلطات "نشر معلومات كاذبة تضر بالأمن القومي". في الوقت ذاته فإن المعلومات التي تداولها شهاب الدين كانت متاحة بالفعل في الفضاء العام، مما يجعل توجيه تهم "المساس بأمن الدولة" و"إساءة استخدام الهاتف" و"إضعاف الروح المعنوية للقوات المسلحة" تكييفاً قانونياً متعسفاً يهدف إلى تكميم الأفواه.
لا تنفصل حالة شهاب الدين عن سياق عام شمل اعتقال عشرات الناشطين، من بينهم فارعة السقاف وسعاد المنيس، حيث لا يزالون رهن الاحتجاز دون إمكانية الوصول إلى مستشار قانوني ودون إبلاغهم بوضوح بالأساس القانوني لاحتجازهم.
إن معظم هؤلاء المعتقلين احتجزوا في سجون أمن الدولة السرية لعدة أيام، حُرموا خلالها من الاتصال بعائلاتهم أو محاميهم، وهي وسيلة شائعة الاستخدام لترهيبهم. ثم جرت إحالتهم إلى النيابة العامة واحتجازهم في السجن المركزي، بعد صدور أوامر حبس بحقهم لمدة 21 يوماً على ذمة استكمال التحقيقات.
وقالت منظمة صحفيات بلاقيود إن "وتيرة الاعتقالات المستمرة التي طالت عشرات الناشطين والناشطات، والغموض الذي يلف أماكن احتجازهم وظروف محاكمتهم، يؤكد أننا أمام سياسة منهجية للتعتيم الإعلامي. إن فرض إرشادات صارمة تحظر تداول الأخبار، بالتوازي مع إنشاء محاكم استثنائية للفصل السريع في قضايا الرأي، هو إعلان غير رسمي عن تعليق الحقوق الأساسية تحت ذريعة الظروف الإقليمية."
المحاكم الاستثنائية وقوانين الطوارئ غير المعلنة
من الناحية القانونية، تشكل إحالة شهاب الدين إلى "محكمة خاصة" لجرائم أمن الدولة والإرهاب، أُنشئت بمرسوم في 31 مارس/آب 2026، سابقة خطيرة تقوض استقلال القضاء الكويتي. إن هذه المحاكم التي تهدف إلى "الفصل السريع" تفتقر إلى الحد الأدنى من ضمانات المحاكمة العادلة المنصوص عليها في المادة 14 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، الذي تعد الكويت طرفاً فيه.
علاوة على ذلك، فإن احتجاز المعتقلين في مرافق تابعة لجهاز أمن الدولة لفترات تصل إلى 21 يوماً دون تمكينهم من التواصل مع محاميهم أو عائلاتهم، يعد انتهاكاً صارخاً للمادة 9 من العهد الدولي، ويضع الكويت في مواجهة مباشرة مع التزاماتها الحقوقية الدولية.
وقالت صحفيات بلاقيود: "ما نشهده اليوم في دولة الكويت ليس مجرد تطبيق للقانون، بل هو انزلاق خطير نحو شيطنة العمل الصحفي عبر إلباسه ثوب الإرهاب. إن سجن صحفي بسبب ممارسته لواجب الاستقصاء والنشر، ثم توصيف عمله المهني بأنه تهديد للأمن القومي أو فعل إرهابي، هو طعنة في قلب الدستور الكويتي الذي كفل حرية الرأي في مادته الـ36، ومخالفة جسيمة للالتزامات الدولية المترتبة على انضمام الكويت للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية."
وأضافت "إن خطورة هذا التوجه تكمن في التكييف القانوني المتعسف؛ فعندما تمنح السلطة لنفسها الحق في تعريف الخبر كأداة للإرهاب، فإنها بذلك تلغي المسافة الفاصلة بين ممارسة العمل والنقد البنّاء والجريمة الجنائية. هذا النهج لا يستهدف أحمد شهاب الدين كشخص فحسب، بل يستهدف ترهيب الجسم الصحفي بأكمله، ويرسخ جهود السلطات الحثيثة للتحوّل إلى دولة بوليسية بسرعة".
وإلى جانب المحكمة الاستثنائية، استغلت السلطات الحرب لإصدار قوانين أعقبت حملة الاعتقالات الحكومية، بينها القانون رقم (47) لسنة 2026 بشأن مكافحة الجرائم الإرهابية في16 مارس/آذار. ويضم 31 مادة تشرعن عقوبات مغلظة تصل إلى الإعدام والسجن المؤبد. وتكمن خطورة التشريع الجديد في استخدامه مصطلحات فضفاضة في مادته الأولى لتعريف "العمل الإرهابي" و"التهديد الإرهابي"، بعبارات حمالة لأوجه مثل "بث الرعب بين الناس" أو "تعريض سلامة المجتمع للخطر" أو "سلوك يُعزى لشخص تتوافر بشأن أسباب تدعو للاعتقاد بشكله تهديداً"، مما يمنح الأجهزة الأمنية غطاءً قانونياً وصلاحيات مطلقة لاعتقال المواطنين واستهداف المعارضين ووصمهم بالإرهاب بناءً على تقديرات أمنية ذاتية؛ وهو ما اعتبره مراقبون تقويضاً صريحاً للمادة (36) من الدستور الكويتي التي تكفل حرية الرأي والبحث العلمي وتمنح كل إنسان حق التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غيرهما.
بالتوازي مع ذلك، صدر في 15 مارس/آذار القانون رقم (13) لسنة 2026 المعني بحماية المصالح العليا للجهات العسكرية، متضمناً 34 مادة تفرض عقوبات سالبة للحرية تتراوح بين السجن لمدة 6 أشهر والمؤبد، بالإضافة إلى غرامات مالية تصل إلى 10 آلاف دينار كويتي. ولا يقل هذا القانون خطورة عن سابقه من حيث غموض المصطلحات؛ إذ تنص المادة (26) منه على حبس وغرامة كل من يذيع أخباراً أو ينشر بيانات أو شائعات تتعلق بالجهات العسكرية بقصد "إضعاف الثقة" فيها أو "النيل من هيبتها" أو "إضعاف روحها المعنوية"، وهي توصيفات مبهمة تسهل ملاحقة المدوّنين ونشطاء الإنترنت ومكافحي الفساد قضائياً، وتفتح الباب أمام المسؤولين العسكريين لتكييف أي نقد -حتى وإن كان صادقاً- على أنه مساس بهيبة المؤسسة. وقد دخل هذان القانونان حيز التنفيذ فور نشرهما في الجريدة الرسمية، مما يكرس إطاراً قانونياً جديداً يثير المخاوف من تضييق الخناق على الحريات العامة والنشاط المدني في البلاد.
وفي 13 ابريل/نيسان 2026 أصدرت السلطات مرسوما بقانون رقم 52 لسنة 2026، والذي يمنح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة وغير مسبوقة لتجريد المواطنين من جنسيتهم في ظل غياب تام للرقابة البرلمانية والقضائية. وفي اليوم ذاته جرى سحب الجنسية عن 2,182 فرداً وعائلاتهم ما يثير مخاوف من استخدام قوانين المواطنة كأداة للعقاب السياسي، وهو ما يشكل انتهاكاً جسيماً للحق في الهوية والقانون الدولي الإنساني؛ وهو استمرار لحملة بدأت العام الماضي حيث سحبت الجنسيات عن عشرات الآلاف من المواطنين الكويتيين.
· اقرأ تقرير سابق لـ"صحفيات بلاقيود".. سحب الجنسية في الكويت: أزمة هوية وحقوق غير مسبوقة تطال أكثر من 50 ألف شخص
صندوق أسود
وقالت صحفيات بلاقيود إن "السلطات استغلت الظرف الإقليمي لتمرير قوانين 'قمعية بامتياز'؛ فالقانونين بشأن مكافحة الإرهاب وحماية المصالح العسكرية يمثلان ترسانة تشريعية تهدف إلى خنق المجال العام. إن استخدام مصطلحات فضفاضة ومبهمة مثل 'النيل من الهيبة' أو 'بث الرعب' يمنح الأجهزة الأمنية تفويضاً مطلقاً لاعتقال أي صوت ناقد ووصمه بالإرهاب بناءً على تقديرات أمنية ذاتية لا تخضع للرقابة القضائية."
وأضافت: منح السلطة التنفيذية صلاحيات مطلقة لتجريد المواطنين من جنسيتهم، يمثل ذروة التغول على الحقوق المدنية. "إن سحب جنسية 2,182 فرداً وعائلاتهم في يوم واحد هو جريمة بحق الهوية الإنسانية واستخدام صريح للمواطنة كأداة للعقاب السياسي. هذا المسار الذي بدأ منذ تعطيل الممارسة البرلمانية في عام 2024، يهدف بوضوح إلى إعادة هندسة المجتمع الكويتي وترهيبه عبر سلاح الانتماء الوطني".
إن تحويل الدولة إلى "صندوق أسود" عبر التعتيم الإعلامي والمحاكمات الاستثنائية وسلب الهوية الوطنية لن يحقق الاستقرار المنشود، بل سيؤدي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي.
بناءً على ذلك تطالب صحفيات بلاقيود بالتالي:
· الإفراج الفوري وغير المشروط عن الصحفي أحمد شهاب الدين وكافة معتقلي الرأي الذين استهدفتهم الحملة الأخيرة.
· وقف العمل بالمحاكم الاستثنائية وضمان مثول أي متهم أمام قضاء مدني طبيعي يوفر كافة ضمانات الدفاع والشفافية.
· الإيقاف الفوري للعمل بالمرسوم (52) الخاص بالجنسية والقوانين (47) و(13) الاستثنائية. لضمان مواءمتها مع الدستور الكويتي خاصة (المادة 36) والمعايير الدولية.
· التوقف عن استخدام "سحب الجنسية" كأداة للضغط السياسي أو الترهيب ضد المعارضين السلميين.
إن استغلال الأزمات الإقليمية لتقويض الحريات العامة ليس فقط انتهاكاً لحقوق الإنسان، بل هو تهديد للاستقرار الاجتماعي والسياسي في المدى البعيد. إننا ندعو الحكومات الصديقة والشريكة للكويت إلى ممارسة نفوذها لضمان حماية المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين في هذا التوقيت الحرج.

Ar
En
