الأخبار

بتقويض العمل الإنساني في فلسطين.. الاحتلال الاسرائيلي يفرض ظروفًا قاتلة على المدنيين

بتقويض العمل الإنساني في فلسطين.. الاحتلال الاسرائيلي يفرض ظروفًا قاتلة على المدنيين

قالت منظمة «صحفيات بلا قيود» إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل فرض قيود مشددة على إدخال الغذاء والمستلزمات الطبية ومواد الإغاثة والإيواء إلى قطاع غزة، ما يحرم مئات الآلاف من المشردين قسرًا من أبسط مقومات الحياة، ويتركهم في العراء دون مأوى أو حماية.

ومع مطلع العام الجديد بعثت سلطات الاحتلال، لـ 37 منظمة دولية غير حكومية، إشعارات بانتهاء تسجليها، تمهيداً لتوقيف الأعمال الإنسانية التي تقدمها هذه المنظمات في قطاع غزة والضفة الغربية المحتلة بما فيها القدس الشرقية، ما يعني عملياً منع وصول المساعدات الإنسانية إلى مئات الآلاف من السكان المدنيين. 
وأكدت صحفيات بلا قيود أن الإجراءات الإسرائيلية تأتي ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض ظروف معيشية قاتلة على المدنيين الفلسطينيين، سواء عبر التجويع أو الدفع بالسكان الأصليين إلى التهجير القسري، بما يفضي في نهاية المطاف إلى تحقيق أهداف الإبادة الجماعية المحظورة دوليًا.
وفي السياق ذاته، حذرت 53 منظمة دولية غير حكومية، عاملة في الأراضي الفلسطينية، من أن إجراءات التسجيل الإسرائيلية الأخيرة تهدد بوقف عمل المنظمات الإنسانية الدولية بشكل عام، وتقوض منظومة الاستجابة الإنسانية برمتها.
وأوضحت عدد من المنظمات الدولية العاملة في الأراضي الفلسطينية، أن سلطات الاحتلال تشترط، بموجب إجراءاتها الجديدة، تقديم معلومات تفصيلية حول الموظفين والتمويل والأنشطة، وهو ما يقوض مبدأي الاستقلال والحياد في العمل الإنساني.
ونقلت صحفيات بلا قيود، تصريح المفوضة الأوروبية المعنية بالمساعدة الإنسانية، التي كتبت على منصة إكس:
«كان الاتحاد الأوروبي واضحًا: لا يمكن تطبيق قانون تسجيل المنظمات بصيغته الحالية».
وأكدت المنظمة أن قرارات الحظر والترخيص التعسفية ترقى إلى جريمة دولية إذا أدت إلى حرمان المدنيين من احتياجاتهم الأساسية.
ويعتمد سكان قطاع غزة بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، ما يجعل وقف عمل المنظمات الإغاثية استهدافًا مباشرًا للحق في الغذاء والصحة، خاصة في ظل تفشي سوء التغذية الحاد، واستمرار تداعيات حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل منذ أكثر من عامين. كما يأتي قرار وقف عمل المنظمات بالتزامن مع استمرار قصف قوات الاحتلال للمدنيين، في خرق فاضح لاتفاق وقف إطلاق النار الهش.

كارثة غير مسبوقة
وبحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، ارتفعت حصيلة العدوان الإسرائيلي إلى 71,386 شهيدًا منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وحتى 4 يناير/كانون الثاني 2026.
ولفتت المنظمة إلى أن الاحتلال الإسرائيلي ألقى، خلال عامين، ما يزيد عن 150 ألف طن من المتفجرات على قطاع غزة، وفق تقديرات أولية، ما أدى إلى تدمير نحو 90% من البنية التحتية، وتضرر أكثر من 440 ألف وحدة سكنية بين دمار كلي وجزئي. وأسفرت هذه الهجمات عن تهجير أكثر من مليوني فلسطيني قسرًا، اضطر كثير منهم إلى النزوح عشر مرات أو أكثر بحثًا عن مكان آمن.
وتسبب هذا الدمار الهائل في تكدس أكثر من 55 مليون طن من الركام في الشوارع والأحياء السكنية، الأمر الذي أعاق عمل فرق الدفاع المدني وطواقم الإغاثة، في ظل النقص الحاد في المعدات واستمرار القصف في عدة مناطق.
وقالت صحفيات بلا قيود أن مئات الآلاف من الفلسطينيين يعيشون اليوم في العراء، ويعانون من نقص حاد في الغذاء والمياه والإمدادات الطبية، في وقت تمنع فيه سلطات الاحتلال إدخال المساعدات الإنسانية المكدسة خارج قطاع غزة، ما يفاقم الكارثة الإنسانية غير المسبوقة.

التجويع وانتشار الأوبئة
وشملت قرارات التوقيف منظمات إغاثة طبية وغذائية وحقوقية فاعلة في غزة والضفة الغربية، من بينها منظمة أطباء بلا حدود، التي تُعد من أكبر الجهات الطبية العاملة في قطاع غزة، حيث تقدم خدماتها لنحو نصف مليون شخص، إضافة إلى توفير المياه والدعم الطبي المنقذ للحياة. وأكدت المنظمة أن تعليق عملها سيؤدي إلى كارثة إنسانية في ظل التدمير شبه الكامل للنظام الصحي في القطاع.
وقالت منظمة أطباء بلا حدود في بيان لها:
«الاستجابة الإنسانية في غزة مقيّدة بالفعل، ولا تحتمل مزيدًا من التفكيك. حرمان المنظمات المستقلة وذات الخبرة من العمل سيشكل كارثة على الفلسطينيين».
وبينت منسقة الطوارئ في غزة، باسكال كواسار، أن فرق المنظمة عالجت مئات الآلاف من المرضى خلال العام الماضي، ونفذت قرابة 800 ألف استشارة طبية في عام 2025، وتعاملت مع أكثر من 100 ألف حالة إصابة، إلى جانب توفير مئات الملايين من لترات المياه للسكان.
ونص اتفاق وقف إطلاق النار، الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، على إدخال 600 شاحنة مساعدات يوميًا إلى قطاع غزة، إلا أن عدد الشاحنات التي تدخل فعليًا لا يزال يتراوح بين 100 و300 شاحنة فقط، وفق تقديرات المنظمات الإنسانية والأمم المتحدة.
وأشارت صحفيات بلا قيود، إلى أن إسرائيل تسعى إلى استمرار تنفيذ سياسة التجويع عبر تقييد المساعدات والتحكم بمسارات الإغاثة، لمضاعفة معاناة السكان وخلق بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، في ظل فقدان ما يقارب 90% من المنظومة الصحية في قطاع غزة نتيجة الاستهداف المنهجي خلال حرب الإبادة.

رفع القيود
وأكدت منظمة صحفيات بلا قيود أن الاجراءات التي تفرضها سلطات الاحتلال الإسرائيلي على إدخال الغذاء والمستلزمات الطبية ومواد الإغاثة، إلى جانب إلغاء تسجيل المنظمات الإنسانية الدولية ومنعها من العمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تشكل انتهاكًا جسيمًا للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما أحكام اتفاقيات جنيف الرابعة، التي تُلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الغذاء والرعاية الطبية للسكان المدنيين، وتيسير عمل هيئات الإغاثة الإنسانية دون عوائق.
ويعد استخدام التجويع ومنع وصول المساعدات إلى المدنيين، من الأعمال التي ترقى جرائم الحرب المحظورة بموجب نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وقد يشكل، في سياق الهجمات الواسعة والمنهجية ضد السكان المدنيين، أفعالًا تدخل ضمن إطار الجرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية، لما تنطوي عليه من فرض متعمد لظروف معيشية تهدف إلى إهلاك السكان كليًا أو جزئيًا.
وتطالب منظمة صحفيات بلا قيود المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، والدول الأطراف في اتفاقيات جنيف، بالتحرك العاجل والفعّال للضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي من أجل رفع القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية فورًا، وإلغاء قرارات حظر وتوقيف عمل المنظمات الدولية، وضمان حرية عملها واستقلالها وحيادها في قطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية.
كما تدعو المنظمة إلى فتح تحقيقات دولية مستقلة في جرائم التجويع ومنع الإغاثة، ومساءلة المسؤولين عنها، واتخاذ تدابير فورية لحماية المدنيين الفلسطينيين، وتأمين وصول مستدام وكافٍ للمساعدات الإنسانية، بما يضمن الحق في الحياة والغذاء والصحة والكرامة الإنسانية.
وتجدد صحفيات بلا قيود، مطالبها بمحاسبة كافة المسؤولين، سواء كانوا أشخاصاً أو كيانات متورطة في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وأعمال إبادة جماعية، في قطاع غزة، طوال الفترة الماضية، أمام الهيئات العالمية التي تمثل رمزاً للعدالة الإنسانية، وإعادة ثقة الشعوب بهذه الهيئات بوصفها الضامن المؤسسي الأول لحقوق الإنسان في العالم.

 

Author’s Posts

مقالات ذات صلة

Image